تزييف التاريخ وأمانة النقد

يكثر التزوير في كتابة التاريخ لسبب أو آخر، بعض التزوير متعمد، وبعضه يأتي عن غفلة وجهل، وبحسن نيّة، والمتعمد قد يكون لهدف غير نبيل، كأن يكون لكسب محرم مادي أو معنوي أو لدفع أمر مقر. وتكاد الأهداف والأغراض وراء المتعمد لا تحصى؛ فبعضها قد يكون سياسياً، وبعضها قبلياً، وبعضها عنصرياً، وبعضها دينياً، وبعضها لكسب مال، وبعضها لكسب جاه، وبعضها لتغطية نقيصة، وبعضها لتثبيت فضيلة غير مستحقة.
وكتب التاريخ ملأى بالحقائق المزورة، والمعلومات المضللة، والأمور المختلقة، والدعاوي الكاذبة. وبعض هذا التزوير مما يسهل كشفه، وإبراز عناصر التزوير فيه، وبعضه متقن الوضع مما يصعب الوصول إلى كشف الزيف فيه. والحقائق كلما مرّ عليها الزمن، وتطاولت عليها الأيام، صعب اكتشاف الوضع فيها؛ لأن المؤرخ الحديث قد لا تتجمع لديه الحقائق التي يمكن بها أن يقارن ويتثبت، وغالباً ما تبهت صورة الإطار العام للصورة الاجتماعية، فيتعمى الأمر، ويتكثف الظلام؛ فكلما ابتعد زمن الحقائق المزيفة إذن ضعف التصور للأمر بإجماله وعمومه، وتعسرت مقارنة ما يدخل تحته من مفردات الأمر مما قد يدل على بعض الأجزاء المهتزة، أو الباهتة، في الصورة العامة.
والأرقام والتواريخ، ومقارنة بعضها ببعض، من الأدوات المسعفة للمؤرخ المحقق، ومن الوسائل المنجدة له عند الحاجة، وأحياناً تكون هي الحكم الفاصل في إقرار الحقائق، ونبذ الدخيل. بها يستطيع الناقد أن يطمئن إلى ما شك فيه، ثم توصل فيه إلى رأي. وفائدتها له تشبه فائدتها للمحامي وللقاضي، فيها يجدان ضالتهما، هذا في تبرئة موكله، وهذا في الحكم بالبراءة أو الإدانة.
وهناك وسائل أخرى لكشف الزيف والتدليس، إذا تتبعت أدت عملاً جليلاً للناقد في معرفة معدن ما يختبره، ولكنها تحتاج إلى ذهن ثاقب، وبصيرة متأنية، وفكر صاف عميق، وإذا كان العصر بمجموعه يعطي ميداناً واسعاً للناقد، وإطاراً عاماً مهماً، وبوتقة صادقة للمتحري، وبه يزن ما يمر به من معلومات تاريخية، فإن أخذ دقائق الأمور، وتدبرها، ومقارنة بعضها ببعض يدخل في المجال الرئيسي للتثبت تمهيداً للقبول أو الرفض.
وكان آباؤنا في العصور الأولى يقظين متنبهين، لكثرة ما رأوا من التزوير، وانتشار أسبابه، وما عانوا من تدليس الحقائق وتشعبها واتقان دسها. وكانوا حريصين على التثبت والتأكد قبل القبول أو الرفض. وقد كان لهم فضل كبير في كشف باطل بعض ما دُسَّ على التاريخ على أنه واقع وحقيقي، وفي نبش زيف ما نصب على أنه صدق، وهو مين واختلاق، وعين الكذب وقلبه. ولعل ما يأتي به التدليس أحياناً من كسب مادي عظيم، أو علو في الجاه، أو من فائدة فائقة، يلفت النظر إليه، ويكون مدعاة للشك فيه، ويستوجب الوقوف والتحري، وآباؤنا أقرب الناس إلى زمنهم، وأعرف الناس ببواطن أمورهم، وأكثر منا غيرة على تاريخ زمنهم. وكانوا بالمرصاد لكل من تسول له نفسه أن يدخل في التاريخ ما ليس منه، أو يدس في سرده ما ليس حقيقياً ولا واقعاً. ولعل مجرد معرفة يقظتهم كانت سبباً في منع إقدام المدلسين على التدليس.
ولعل مثلاً واحداً من جهودهم يعطي فكرة عن مدى فضلهم في غربلة التاريخ، والوقوف بحزم ويقظة أمام ما يحاك خلف ظهورهم في هذا المجال : «كان قد أظهر بعض اليهود كتاباً، وادعى أنه كتاب رسول الله ﷺ باسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادات الصحابة، وأنه خط علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – فعرضه رئيس الرؤساء على أبي بكر الخطيب، فقال هذا مزور. فقيل له من أين لك ذلك ؟ قال : في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان قد مات يوم الخندق في سنة خمس. فاستحسن ذلك منه» (١).
الداهية الذي زور الكتاب لا بد أنه أعد العدة جيداً لذلك، فقلد خط علي – رضي الله عنه – باتقان، وزور منهجه في الكتابة، ولا بد أنه استقرأ كتب النبي ﷺ وعهوده، وعرف طريقته فيها وخطته : بدأها وختامها وصلب الخطاب وفحواه، وعرف أن كتبه ﷺ تحتوي على أسماء شهود من أصحابه، فوضع في الكتاب المزور أسماء مَنْ وَزْنُه ثقيل بينهم – كما يقول التعبير الدارج – ولكنه بلي بناقد باقعة، ومحقق نابه، وعالم بالتاريخ جليل، هو أبو بكر الخطيب، الذي أنار الله بصيرته، وسدد سهمه، وفتح عليه بما أوصله، بسهولة ويسر، إلى كشف التزوير وموقعه. وقد لعبت الأرقام والتواريخ دورها في مساعدته على هذا الكشف، وكانت من القوة بحيث أشبعت وأقنعت. وبهذا قطعت جهيزة قول كل خطيب إلا هذا الخطيب !! ولم ينتبه المزور لهذا المنزلق الذي انحدر إليه، وغاب عن ذهنه ما نقط في ذهن الخطيب من أول وهلة رأى فيها النص. وصدق المثل العامي الذي يقول : «كل ملزق يطيح».
وعلى ذكر التزوير عليه ﷺ في كتبه، لا يزال هناك طامعون في ترويج بعض الصور المزورة عما كتبه للمقوقس وغيره من الملوك. ويظهر بين آن وآخر شيء من هذا مكتوباً على جلد غزال، يحاول أصحابه إتقان الصنعة فيه، من جعل الجلد يظهر بمظهر قديم، مع محاولة إتقان الخط، ولكن العلماء الخيرين يبطلون جهود هؤلاء، ويكشفون زيفهم وزيغهم، ويقفون لهم بالمرصاد. والطمع المادي في هذا هو الدافع للمحاولات المستميتة في هذا المجال. ولا أظن أن مثل هذه المحاولات سوف تنتهي مادام هناك طامعون، يعميهم الجشع عن الاستقامة، والمحافظة على أمانة التاريخ.
المصدر : إطلالة على التراث
الجزء : الثاني | الصفحة : 5- 10
