تأملات في الذاكرة والنسيان مع تقدّم العمر

رحمك الله يا جاحظ، وغفر لك، فكم تعزّيني أنا وأمثالي ممن بدأت تتقدم بهم السّنّ، وبدأت ذاكرتهم تبهت، وأصبحوا كما يقول المثل العامي «ينسون عشاءهم البارحة».
لقد قرأت ما رويته عن نفسك، سواء أكان ذلك حدث فعلاً، أو أنها مغالاة استطرفتها، ولم تجدها بعيدة عن الواقع، عندما بدأت ذاكرتك تتخلى عن نجدتك أحياناً، خاصة عندما تكون في أشد الحاجة إليها.
إن كان النسيان قد زاد عندك، فسوف أذكّرك هنا بما قلت عن نفسك، روى عنك أبو بكر العمري، ونقلها عنه صاحب كتاب «نزهة الألباء»
قال : «إنه سمعك تقول: نسيت كنيتي ثلاثة أيام فأتيت أهلي، فقلت بمَ أكنّى؟ قالوا: بأبي عثمان».
إننا ننافسك في هذا، اليوم، وهي منافسة نتائجها الحسنة ليست في صالحنا، يمسك أحدنا بسماعة الهاتف، ليتحدث مع صديق، وبمجرد أن يرفع سماعة الجهاز ينسى لماذا رفعها؟ ومن المقصود بالمهاتفة؟!، وقد يذكر أحياناً، ويذكر اسم الصديق، ولكنه ينسى الهدف والقصد من المكالمة، فيخرج ويلجأ إلى السؤال عن صحة الصديق وأهله، ويترك للصديق أن يندهش فيما بعد، لأن المحادثة الهاتفية عن الصحة لم تكن العادة التي يسير عليها الصديقان، خاصة إذا كانا لم يفترقا إلا منذ ساعات.
لا تقل – رحمك الله – لماذا لم يخبره بالحقيقة؟ وأنه نسي الهدف الذي من أجله هاتفه، ولا تقس أمورنا في هذا الزمن بأموركم، ولا تصرفنا بتصرفكم، فمكامن الضعف الإنساني تخيفنا، نرتعب من فكرة تقدم السن فنخفي علاماته، ونعتقد، مع شيء من الحق، أن هذا يرفع من معنوياتنا، نغالط الناس أولاً، ثم نغالط أنفسنا حتى نعتقد ما أخفينا حقيقته. وإن كان يذكرنا واقع الحال عند الحاجة مثلما حدث في المحادثة الهاتفية.
يا أبا عثمان، وأقول كنيتك هنا حتى لا تنسى، ليتك التفت إلى النسيان، وأموره، وما يوقع فيه من مواقف مؤلمة أو طريفة فكتبت فيه، وفيمن ينسى، كما كتبت فأحسنت في كتبك «البخلاء» و «البرصان والعرجان والعميان».
لو كنت مزامناً لك، ورأيت عزمك على هذا، لاقترحت عليك أن تسمي الكتابة في هذا الموضوع: «التطرين والمطرنون»، وأنت تعرف أن هذه الكلمة تعني الذين ينسون، ولكنت أضفت إلى معلومات جيلنا كلمة قديمة مهجورة «المطرنون» تستحق أن تعرف.
نم هنيئاً إن شاء الله، يرحمك الله ففيما كتبت من الفائدة ما يجعلك مذكوراً في أذهان الأدباء، ولن ينسوك، على الأقل، لأنك خدمت اللغة وآدابها بما دونت، ولأنك سلكت طريقاً في أسلوبك المبتكر جعل ما تكتب ممتعاً لا يمل.
المصدر : إطلالة على التراث
الجزء : الأول | الصفحة : 18- 21
