ثبات المبدأ أمام بريق الادعاء

كلما قرأت شعراً أو نثراً في أدبنا العربي، واستمتعت بما فيهما من صور معبرة ناطقة أثار هذا في نفسي بعض الشجن، لأني أتذكر التهم التي رمانا الغربيون بها في القرن الماضي، وأول هذا القرن، وادعوا أن حضارتنا ناقصة أو معدومة، لأنه ليس عندنا تراث من الصور المائية أو الزيتية، أو الصور المحفورة في الخشب، أو المنحوتة في الصخر، أو على ألواح الرخام، أو المنقوشة على المعابد، جدرانها وسقوفها. وقد أعد الغربيون هذا المسرح المزيف، وأخذوا يجولون فيه ويصولون، لأنه ليس فيه غيرهم، ولم يجدوا أمامهم من يرد التهمة إلا بما لا يقف عندهم على قدميه، لهذا سادوا في مملكته غير مسودين، والعرب مشغولون بأمور أساسية تتعلق بالمعيشة والأمن والمكافحة للبقاء في بلدانهم.
العربية، وكانوا بين ساع لأخذ حق اغتصبه منه أخوه، أو حق استولى عليه مستعمر متسلط، ممن هو على غير دينه، ومن غير أرومته، فبقي العربي يحاول جاهداً دفع كلكله الجاثم على صدره. وتثير – في الوقت نفسه – قراءة هذا الشعر البديع، والنثر البهي، شعوراً غامراً من البهجة والفخر والاعتزاز، إذ أن ذلك يرد بلسان ذرب، وقول فصيح، على دعوى قصورنا عن الحضارة، وطالما أبنت شعوري هذا من قبل، وسوف أبينه الآن، وسوف لا أتخلى عن إبانته في المستقبل حتى يصل صوتي إلى كل من أردته أن يسمع، وأن يملأ نفسه بمثل ما ملأت به نفسي من الثقة بهذا التراث المضيء، وجئت بأعلى صوت أقول إننا نحن العرب كان لنا حضارة في الجاهلية، وفي الإسلام، ملء السمع والبصر، خرقت الآذان في العالم بصوتها المجلجل، واسمعت من في أذنه صمم، وأرت حتى الاعمى إشعاعها، ولا يضيرها أن يغالطها المكابر الذي يرى الشمس ويدعي أنه لا يراها. ولا يهمنا اليوم من يحكم على حضارتنا من غير أمتنا، ومن يهمنا حقاً هم أهلنا وذوونا ممن يكتبون عن هذا الجانب، نريدهم أن لا يهتزوا في ثقتهم في أنفسهم عندما يسمعون ما يقال، فهذه بضاعة المفلس من أعدائنا.
وأحاول دفع الفكرة إلى العمق كلما وجدت زاوية فيها حد سيف يمكن أن يرد به على هجمة هاجم، أو قوة ترس تتلقى بجدارة ضربة الضارب، وكنت يوماً تحدثت عن البيان والبديع، وما فيهما من وسائل لرسم صور بيانية نفخر بها لما فيها من ميزات ذكرتها، تغلب الصور التي فيها صورهم ورسومهم، وما يحفرونه، وما ينحتونه، وما ينقشونه، واليوم أجد زاوية ظليلة أجلس تحتها على فرش وثير، وأقارع بما أجده فيها من صور من لا يمكن أن يصمد أمام هذا الاختبار.
في أدبنا شعره ونثره من الصور الجميلة الأخاذة ما يأتي في صورة تعليل، يُبرّر به الخروج عن المألوف، ويُقبل به المرفوض، وسأقتصر هنا على غرض واحد، فيه ما لا يحصى من الصور المعبرة، وما يبهر من الابداع والتفنن، وما يدهش من سعة الخيال، والقدرة على الرسم لا بالريشة والأزميل والألوان، ولكن بالكلمة وهي أشرف، وأكثر نبلاً.
فالشيب أمر عندما يطل صبحه يبدأ معه هم يزيد بتزايد الشعيرات البيضاء التي يغزو متسللها اللحية والرأس، والشيب ينفر منه الإنسان لما يلازمه من الضعف، واحتمال هجر الأليف، وزهد الراغب، وابتعاد القريب، ونفور المقبل. والإنسان بطبعه خلق، رجلاً كان أو امرأة، محباً لما يجذب الجنس الآخر إليه، ولهذا بُجّل الشباب وقُدّر، ونفر من الشيب، وزهد فيه، وفي تباشيره، والشيب، إذا جاء، لا يستأذن أحداً في القدوم، ولا يقرع الباب للدخول، فهو يقدم متى أراد الله له ذلك، ويدخل دون أن يجد من يقف في طريقه، وإذا حل لم يرحل، وإذا دخل لا يخرج، حتى يخرج الإنسان من دنياه، ويرحل إلى مستقره من فوق سطح الأرض إلى ما تحتها، سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلاً.
إذاً فلابد للإنسان من المغالطة بأنواعها المختلفة، ومحاولة إنكار مجيء الشيب، وتأويل مظهره، وتلمس أنواع من التعليل، وفي هذا سلوى لمن شاب، وحجة أمام من يعيب المشيب من بين الشباب. وفيه عذر من الغانيات من الزوجات، وفيه تسلية وتعزية للزوج أو الزوجة، وفيه ملء للنفس بثقة مصطنعة، ولكن ما يقال للتسلية والترويح، ورفع الروح المعنوية، لا يلزم أن يكون صدقاً، أو حقيقة، فالرغبة في سماع مثل هذا تجعل المرء مهيأً لقبول معسول الكلمات، ولو كانت خيالاً مجنحاً، يخدر بها نفسه، ويغالط بها عقله، ويدغدغ بها عاطفته، وإذا كان تصديقه لها في أول الأمر صعباً، لبقاء الحقيقة تلوح ناصعة، فإنه يبدأ تدريجياً في تصديقها مع الألحاح والمتابعة، وكثرة الطرق:
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته … ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
ومنها تأتي الصور البديعة التي تنافس النحت والحفر والنقش. ويدهش المتتبع وهو يرى التنويع في المداخل إلى التعذير من الشيب وبياضه، وسواد الشباب وغيابه، والابداع في رسم الصور المقنعة الطريفة، وفي تصيّد الأفكار التي لا يستطيع احتيازها إلا صاحب الباع الطويل في الفكر، وفي المقدرة على القول، والفصاحة في التعبير، والرونق فيه، والتفرد في رسم الصور البديعة الأخاذة:
بكرت تنظر شيبي … وثيابي في يوم عيد ثم قالت بهزء … يا خليقاً في جديد لا تغالطني فماتضـ … حُ إلا للصدود(*)
هذا الجمال في التصوير، وهذه المجادلة المنطقية، وهذا الخيال المحلق، وهذه الفكرة البديعة، لا تقف أمامها صور الغرب، التي لا يكون فيها من الجذب إلا منظر خليع من رداء منسدل، أو جلسة مغرية. إن اللذة الباقية ليست في المناظر الخليعة الرخيصة، وإنما هي فيما يجتره الفكر من نتاج ذهني، رسم يتناسب مع ما للإنسان من كرامة، وما للعقل من احترام؛ هذا وحده ما يدوم ويبهج، ويتخلل القرون والأجيال في رحلة مرحب بها.
ويأتي التعليل عن خضب الشعر وصبغه، وتسويد بياضه، أو تغيير لونه، فيرسم الشاعر في ذهنه صورة يُحسن إخراجها، فتأتي منطقية مقبولة، ويقدم عذره، فيأتي ناصعاً بهياً، فيقبل هذا العذر بترحاب، لما فيه من تكامل في المنطق، وتوافق مع نظم العقل وقوانينه، وينفرد الشاعر بهذه الصورة الجميلة، وتكون له أسلوباً كما للمصور قاعدة وأسلوب يتميز به ويُعرف:
يقول أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان الفارسي:
خضبت الشيب لما كان عيبا وخضب الشيب أولى أن يعابا ولم أخضب مخافة هجر خلّ ولا عيبا خشيت ولا عقابا ولكن المشيب بدا ذميما فصيرت الخضاب له عقابا (١)
وابن المعتز يغالط مغالطة بديعة، ويعطي تعليلاً مغايراً للحقيقة، عن مظهر الشيب، وموافقاً له في الوقت نفسه: قالت كبرت وشبت قلت لها هذا غبار وقائع الدهر (٢)
ويأتي جدل طريف، وتعليل معجب، في قول عبيدالله بن عبدالله بن طاهر: تضاحكت لما رأت شيبا تلالا غرره وقد رأت دمعي على خدي تجري درره
قلت لها لا تعجبي أنبيك عندي خبره هذا غمام للردى ودمع عيني مطره (١)
وقال شاعر، قالباً السيء حسناً، والقبيح جميلاً، والمرفوض مقبولاً، والمنفر جذاباً، وهو يخاطب زوجته، ويعتذر عن الشيب الذي لابد أنه لفت نظرها، وساءه أن ترى الحقيقة فيه، فأراد أن يخفف وطأها ببديع القول، وجمال الفكر، فقال: لا يَرُعك المشيب يا ابنة عبدالله فالشيب زينة ووقار إنما تحسن الرياض إذا ما ضحكت في خلالها الأنوار (٢)
وتشاؤم ابن الرومي معروف ومشهور، وإغراقه فيه تعدى الحدود، حتى صار مضرب المثل، والمشيب نذير له بالموت، وهو ما يخشاه، ويرتعب منه، ولهذا التفت للمشيب التفاتة عنيفة، ودخل معه في معركة، وغرف له بغضب من حوض…
مكدر، وكال له بصاع مفعم فقال: بكيت من الشيب حتى ضجرت وقد دبّ في عارضي واشتعل وسود وجهي فسودته فعلت به مثل ماقد فعل (١)
إنها ليست صورة واحدة تلك التي رسمها ابن الرومي، ولكنها سلسلة من الصور الحية، بل تمثيلية تنتظم فصولاً، ففيها حزن عميق، وبكاء يفلح الكبد، وختل متقن، وتسلل بحذر، وحريق مشتعل، وهجوم وتسلط، وعراك ضار، وأخذ بالثأر، واقتصاص عادل، وفيها على هذا محاولة إحقاق حق، وتوطيد إنصاف، أين صور الغرب من صورنا!
ويبدو أنه يحلو للشعراء أن يكون أمر المشيب، والصورة التي ترسم له، في صورة تمثيلية فيها محاورة بين رجل ورجل، أو رجل وامرأة في الأغلب، أو بين الشائب والشيب…
تصد أميمة لما رأت مشيباً على عارضي قد فرش فقلت لها الشيب نقش الشبا ب، فقالت ألا ليته مانقش (١)
وهناك تعليل للشيب وخضبه، ومحاولة لإخفائه، والتغلب على بياضه، وتأتي من ذلك صورة جميلة يرسمها أحد الشعراء، ويبرر خضبه للشيب بما لا يمكن رفضه، لما فيه من دغدغة عاطفة السامع، والنزول على ما يحب: لم أخضب الشيب للغواني لأبتغي عندها الودادا لكن خضابي على شبابي لبسته بعده حدادا (٢)
ويقول ابن المعتز معطياً صورة جميلة للشيب، وتعليلاً منطقياً له، مستنجداً بهذا بما يملكه من عقلية نادرة، وفصاحة مشهود لها، وملكة شعر مواتية…
أنكرت شرَّ مشيبي وولّت بدموع في الرداء سحوم اعذري ياشر شيبي بهم إن شيب الرأس نور الهموم (١)
ولما أكثر الناس القول في المشيب على أبي الحسن البروجردي قال، مبدياً للناس ما لا يعلمون عن هذا الشيب الذي يرونه، ولا يخطر على بالهم تعليله وأسبابه: لما سئمت من المشيب أجبتهم قول امرئ في أمره لم يَمذق طحن الزمان بريبه وصروفه عمري فثار طحينه في مفرقي (٢)
هذا قليل من كثير من الصور الجميلة التي ساعد على رسمها التعليل البديع، والشاعر فنان دقيق التصور، مرهف الحس، لاتبهر الصورة التي يرسمها، ولا يؤثر فيها الزمن، بل لعلها مع الزمن تزيد بهاءً ورونقاً، وهذا هو الأقرب للواقع، وأدوات الشاعر في هذا خيال محلق، وربط لهذا الخيال بالحقائق الواقعة ربطاً فيه انسجام وتوافق، لا يُشعر معه بنبو ولا جفوة، ومن أدواته اقتناص المعنى الجديد الفريد، يفاجئ به سامعه، ومن أدواته أيضاً إحكام أجزاء الصورة، فيكون كل جزء في مكانه، ثم تأتي المكملات أو المعدلات أو المقومات (الرتوش) تسد أي خلل، وتغطي أي عيب، أما وسائله في رسم هذه الصور فالبيان والبديع، وما يضيفه من محسنات عليها، أليست هذه أفضل من وسائل الغربي وأدواته عندما يرسم صورة محبوسة جامدة في إطار على جدار، أو على ورق، أو قطعة قماش. ونعود نذكر بما لا نود أن يغيب عن الذهن أبداً، وهو أن لدى العربي…
الفنان، شاعراً أو ناثراً، هامشاً واسعاً من حرية التصور يتيحه لسامع شعره أو نثره، خلاف رسام الغرب الذي يسمّر الناظر، ويثبته، ويقيده بتصوره هو، تصوراً لا يحوص عنه أو يزور، والفرق كبير بين الأمرين: الحرية والتقييد، وبهذا نتميز ونعلو ونغلب.
وإن فيما يقوله شاعرنا ما يدل على أننا أول من رسم «الكاريكاتير» بطريقتنا الكلامية الخاصة، لأن هذا ينطبق على بعض الأفكار المغربة، التي يرسمها شاعرنا، بعيدة عن المعتاد، بل إن بعضها يوحي بأننا أول من قام بالفن التشكيلي، في صور القول الذي أجاد شاعرنا رسمه، ولكنه فن تشكيلي متميز، بعيد عن الابهام والغموض، وله رسالة واضحة، تصل هدفها بسهولة وتأثير، وهذا باب يحتاج إلى تقص منا ومتابعة، ودراسة متأنية، ولا أشك أن هذا سوف يُوصل إلى ما يوجب الدهشة والاعجاب.
