بضاعتنا التي رُدّت إلينا

نُعجب بقول بعض الغربيين، حكماء وسياسيين وكتاب وفلاسفة، سواء أكانوا في هذا القرن أو في قرن قبله. وننقل أقوالهم المدهشة، ونروّج لها، ونستفيد منها في أقوالنا وكتاباتنا ومناقشاتنا وجدلنا، ونجعل غيرنا من أجيالنا اللاحقة يعجبون بها، ويتبنّونها، ونأخذها، نحن وهُم، على أنها من نِتاج فكر الغربيين، وأنها نتيجة حضارتهم وثقافتهم وعلمهم، ولا يخطر ببالنا أن غيرهم من قومنا قد سبقهم إليها، وأن هؤلاء الغربيين قد يكونون اطلعوا على ما نطق به قومنا من قبل، أو أن قدم الفكر وطئت على مواطىء قدم الأوّلين دون قصد، وساروا معهم على جادة فكر واحدة دون أن يتعمدوا ذلك.
كنّا نسمع عن بسمارك، السياسي رئيس وزراء ألمانيا المشهور، ودهائه، وتميّزه في حقل السياسة في زمنه، وما كسبه لبلاده، وما كان يبديه من آراء، ويقوله من عبارات، تدل على عقلية غير عادية، تتسم بالفطنة والذكاء، وسرعة البديهة، وحسن التصرف. مما يروى عنه أن ملكاً كان بسمارك من بين مدعويه، في حفلة رسمية، قصد أن يُهين بسمارك، فرتّب جلوس المدعوين بطريقة لا تسمح بأن يكون لبسمارك مكان على المائدة الرئيسية.
وزيادة في الإهانة، وإمعاناً في السخرية، قال الملك لبسمارك إنه يعتذر عن عدم إمكان وضعه على المائدة الرئيسية. فردّ بسمارك بقوله : إن المائدة الرئيسية هي حيث يجلس بسمارك.
يفاجأ المرء أن يجد أن هذا القول سُبق إليه بسمارك، فقد قاله أحد العرب قبل بسمارك بقرون طويلة، وقاله شعراً : فوهب الهمداني – كما يروي الراغب الأصبهاني في «محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء»
يقول مادحاً :
صدر المجالس حيث كان لأنه صدر المجالس
وهب الهمداني
جمال القول الذي قاله وهب أنه جاء سابقاً، وسابقاً بقرون، وأنه جاء شعراً. تُرى لو تتبعنا ما يدهشنا أحياناً من أقوال أصحاب الحضارات الحديثة هل نجد أن بضاعتنا ردّت إلينا؟ والاختلاف هو أن البضاعة ثوب لنا قديم نسيناه في خزانة ملابس الزمن، وأخذه غيرنا فصقله وعرضه من جديد، أو تراه حاكه دون أن يعرف عما سبق أن فصّلناه ولبسناه فترة من الزمن، ثم طويناه ونسيناه.
المصدر : إطلالة على التراث
الجزء : الأول | الصفحة : 22- 24
