بين ذكاء العقل وغفلة اللحظة, طرائف من سقطات التركيز

النقص ملازم لابن آدم، يأتيه من حيث يدري أو لا يدري، يأتيه بدءاً، أو يأتيه أثناء طلبه الكمال، وكأن الله -سبحانه وتعالى- يريد أن يذكره بأنه إنسان، ولا يجوز أن يكون غير ذلك، لأن الله خلقه كذلك، ولم ينفرد بالكمال إلا ذو الجلال والإكرام. ومحاولة الإنسان أن يكمل في حدود ما سمح الله به له، وقيضه له، فضيلة يشكر عليها الساعي المجتهد، ولا بد أن يصل إلى غايته بإذن الله إذا جدّ وثابر. وليس على المرء حرج إذا اجتهد ولم يصل، فقد بذل الجهد، وعلى الله أن يهبه التوفيق إذا شاء، وإنما اللوم على من يتوانى، ولا يبذل الجهد، وهذا باب واسع من أبواب الحياة، والسعي فيها للرزق، ولكن ما يلفت النظر هو بعض الحوادث التي تمر بالإنسان يومياً تقريباً، إذا توفرت لها الأسباب، فيأخذ منها العبرة في إخفاق بعض الناس في أبسط أمور الحياة، مع نجاحهم في أمور صعبة فيها، وهذا يدل على أن في الفكر بؤرة، وأن فيه حواشي، إذا ركز الإنسان على واحد منها انزوى الآخر، وإذا نجح فيما ركز عليه أخفق فيما خرج عن بؤرة الضوء والتركيز، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه: خرجت امرأة شغلتها أمور الحياة، وطلب المعيشة تبحث عن بُنيّة لها افتقدتها قرب أحد البساتين، وجاءت إلى نسوة يغسلن ثياباً لهن ولذويهم عند مجرى ماء، فسألتهن إن كنّ رأين ابنتها، وهي ترجو ألا تكون دلفت إلى البستان، وسقطت في البئر، وهي حديثة المشي، فلم تتعلمه إلا منذ سنة تقريباً، فأشرن إلى ما تحمله على كتفها، وقلن أليست هي تلك التي على كتفك، فأيقظنها من سبات، ورددنها من بؤرة تفكير عميقة شغلتها إلى بؤرة تفكير أخرى كانت في غفلة عنها.
وأخذ نجار يلوم صبياً له على إهماله، وعلى تعدّيه على عدة سيده وأدواته، ودأبه على عدم وضعها في مكانها بعد أن استعملها وانتهى منها، إذا كان لا بد له من استعمالها، رغم أنه لا يفضل استعماله لها. ولما سأله الصبي عن أي العدد يعني، وعن أي العدد يبحث؟ قال: إنه يعني قلم الرصاص الذي يحدد به الأجزاء التي سوف يقتطعها من الخشب الذي أمامه، وقد أضاع وقته يبحث عنه، فهان الأمر على الصبي إذ رأى في تلك اللحظة ما لم يره سيده، وأشار الصبي إلى طوق إذن النجار، وقال إن قلم الرصاص فوق إذنك يا سيدي، فلم يسع النجار إلا أن ينفجر ضاحكاً، ويعود عاتباً على نفسه وفكره، ومعتذراً عن أنه في هذه الأيام، لازدحام العمل، وكثرته وأهميته، لم يعد يعرف «ساسه من راسه» ولم يعد «يذكر عشاءه البارحة». ويضيق الوقت على أحد الرجال فيسرع ليلبس حذاءه، ولم يدر أنه أخذ كل فردة من الحذاء من لون مختلف، فلما وصل إلى حيث هو ذاهب نبهه من نبهه إلى هذا الخلط بين الألوان، بعد أن فات الأوان، وانكشف حال فكره وانشغاله. وهذه مسألة أمرها هيّن عند مسألة الرجل الآخر الذي اجتمع عليه النسيان والاستعجال وظلام الحجرة، والخوف من أن تفوته صلاة الفجر، فلبس السروال على عجل، وذهب للصلاة، ثم ذهب بعد ذلك ليفطر مع أصحابه عند جاره، ولدهشته ودهشتهم عندما انبلج الصبح، وطلع النور، وتبين لهم أنه قد لبس سروال زوجته، وفضحته حجول السروال وهي «تكرع» فوق كعبه بما فيها من زخرف وتطريز. ويقول بعض الخبثاء: إن الذي اكتشف الخلط بين السروالين هي زوجته بعد عودته من الصلاة، وأن السروال سروال أمتِه! والحوادث من هذا النوع كثيرة، ومنها أن أحد الأخوان ركب الطائرة من جدة يريد بيروت، فلما أخذ مكانه في الطائرة وجد زميلاً له قد سبقه إلى مقعد مجاور لمقعده، وتعجب الصديق من لباس الرجل، ولكنه أيقن أنه قادم من رحلة خارجية، ولم يكن عنده وقت ليبدل ملابسه، فلما أبدى له هذه الملاحظة أدهشه أن يخبره أنه ذاهب إلى بيروت، فقال له: إن هذه الطائرة في طريقها إلى الرياض، فقال: لا إنها ذاهبة إلى بيروت، وقد تأكدت من المضيف عند باب الطائرة، فاستدعيا المضيف ليجلو الأمر، فقال له لابس البدلة الافرنجية ألم أسألك عند باب الطائرة عما إذا كانت هذه الطائرة ذاهبة إلى بيروت؟ فقلت لي: نعم. قال المضيف إنك سألتني إذا كانت ذاهبة إلى الرياض فقلت نعم. فتبين أن انشغال فكر صديقنا بشيء آخر جعله يترك القياد للسانه الذي تعود على نطق الرياض. وفي التراث قصص طريفة تكشف عن بعض ما حدث لبعض الأشخاص من هذا النوع من زواياه المختلفة: «قال قتادة: ما سمعت شيئاً قط إلا حفظته، ولا حفظت شيئاً قط فنسيته. ثم قال: يا غلام هات نعلي، فقال: هما في رجليك، ففضحه الله»(١). وقال قتادة: «حفظت ما لم يحفظ أحد، وأنسيت ما لم ينس أحد، حفظت القرآن في سبعة أشهر، وقبضت على لحيتي وأنا أريد قطع ما تحت يدي، فقطعت ما فوقها»(٢). ولعل القصة التالية تدخل ضمن هذا، لأن التركيز الذي ذكر فيها أنسى أمراً مهماً جاء بضرر لم يحسب حسابه: «قال بعض أصحاب الاسكندر إنه دعاهم ليلة ليريهم النجوم، ويعرفهم خواصها، وأحوال سيرها، فأدخلهم إلى بستان، وجعل يمشي معهم، ويشير بيده إليها حتى سقط في بئر هناك، فقال: من تعاطى علم ما فوقه بُلي بجهل ما تحته»(٣). والنقص عند ابن آدم قد يأتيه من حيث يطلب الكمال، والخطأ من حيث يريد الصواب، والسبب أن الإنسان أحياناً يعجب برأيه، ويثق بما يوصله إليه، فيعميه حماسه له عن أن يرى جوانب الخلل في الرأي، ولو استشار لتبين له بعد الاستشارة ما لم يتبين له قبلها، والمرء في مثل هذه الحالة مثل من لم يقف أمام مرآة لتريه ما لم يره بدونها: جعل ابن السماك يوماً يتكلم، وجارية له حيث تسمع كلامه، فلما انصرف إليها قال لها: كيف سمعت كلامي؟ قالت: ما أحسنه لولا أنك تكثر ترداده. قال أردده حتى يفهمه من لا يفهمه، قالت: إلى أن يفهمه من لا يفهمه يكون قد مله من فهمه
المصدر : إطلالة على التراث
الجزء : الثالث | الصفحة : 18- 20