اختبار القلوب بين الحقيقة والادعاء

المظهر يؤخذ أحياناً – إذا صدق الحدس – دليلاً على باطن صاحبه. وإذا كان تصرف المرء طبيعياً، لا تكلف فيه، فاحر بظاهره أن يكون مرآة صادقة لباطنه، وصدى أميناً له. ولكن المرء قد يخادع، فيلبس ظاهراً لباساً يخالف داخله، ويتلون ظاهراً بما يباين باطنه. ويجهد ويتفنن في إتقان هذا التدليس، بحيث يحتاج المتقصي إلى وقت وجهد لاكتشاف التزوير، وفطنة نادرة للغوص على الحقيقة، وحيلة بارعة، وتجربة عميقة للتأكد مما عليه المدعي، ومعرفة ما يخفيه بالغطاء الزائف. وانعدمت الثقة في بعض المجتمعات واستلزم الأمر الحذر واليقظة.
وقد مر بي اليوم قصتان في التراث، احداهما ذهبت يميناً وحالف صاحبها النجاح في اختبار مدى تطابق الظاهر مع الباطن، والأخرى أكدت نتيجة الاختبار السريع مدى زيف صاحبها، واختلاف باطنه عن ظاهره، الأولى حظي صاحبها بالجائزة الثمينة، والأخرى منى صاحبها بالخيبة المهينة، وكلا القصتين موضوعهما الحب، والحب مزلق يحتاج من يتصدى لمعرفة صدق صاحبه فيه أو كذبه إلى ذكاء وبراعة وسياسة متقنة، وإلى كبت العاطفة والتغلب عليها، والتركيز على العقل. الأولى من القصتين أرت الفضيلة بكل مظاهرها، وفي كل مراحلها، وأكدت أن من سار في طريقها سار في طريق منير، يهديه إلى هدفه الخير. والثانية مثلت الرذيلة، وما تؤدي إليه من ضياع الهدف، وفشل القصد.
أما الأولى فهي عن خادم للإمام علي – رضي الله عنه – يرويها صاحب كتاب «سراج الملوك»، فيقول: رُوي أن جارية لعلي بن أبي طالب – رضي الله عنه – كانت تتصرف في حوائجه، فكلما خرجت تصدى لها خياط كان بقرب دار عليّ، ويقول لها: والله إني أحبك في الله تعالى. فلما كثر منه ذلك شكته إلى عليّ. فقال لها عليّ: إذا قال لك مرة أخرى فقولي له: والله إني لأحبك، فما الذي تريد؟ فقال لها ذلك. وقالت له: وأنا أحبك فيه. فقال لها: إصبري، وأصبر، حتى «يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب». فرجعت الجارية، وأخبرت مولاها، فدعا الخياط، فوجد أمره على الصحة، فوهبها له مع نفقة يستعين بها.
لقد رأى عليّ – رضي الله عنه – بثاقب فكره، ونور الإيمان في قلبه، أن الرجل صادق فيما أبداه؛ لأنه ارتكز في أمره على آية من القرآن، دليل فقه ودين. والفقه والدين لا يجتمعان في قلب واحد مع الفسق والفجور.
أما القصة الثانية فهي ما رواه صاحب «محاضرات الأدباء»: قال رجل لامرأة: قد أخذت بمجامع قلبي، فلست أستحسن سواك. فقالت: إن لي أختاً هي أحسن مني، وها هي خلفي. فالتفت الرجل. فقالت: يا كذاب، تدعي هوانا، وفيك فضل لسوانا.
وأشهد أن سرعة البديهة، وحسن التصرف، وإتقان الاختبار، على ما فيه من قصر واختصار، تدل على عقل واتزان. ولا أستبعد أن معها من العفة ما يماثل العقل والاتزان. ويسجل العنصر النسائي الشاب هنا رجحاناً على العنصر الرجالي.
المصدر : إطلالة على التراث
الجزء : الثاني | الصفحة : 17- 20