بين طرافة النص وشكوك النقاد

يقرأ أحدنا نصاً فيجده طريفاً فيعجب به، ولكن ثقافته وتجربته في الحياة توجب عليه أحياناً ألا يوغل في الثقة بالنص، وأن يكتفي فقط بالنظر إليه على أنه طريف ومسلٍّ، ولكنه في الوقت نفسه لا يجزم بعدم صحته، وتأخذه الحيرة أمام النص، يقلبه على وجوه عدة، يقول عنه إن هذا السبك المتقن للخبر قلَّ أن يحدث في الحقيقة والواقع، وهذا يوجب الشك فيه، ولكن احتمال حدوثه وارد، إذ أن حدوث مثله ليس معجزاً، ولا مستحيلاً.
وكلما زاد الإعجاب بنص فيه مداخل للشك زاد الألم لعدم وجود ما يؤكد ما إذا كان صحيحاً أو مركباً، ويتمنى المرء أحياناً أن الشك لم يتطرق إلى ذهنه أصلاً، وأنه لم يتعلم على دراسة النصوص، وتعريضها لبوتقة النقد، ففي هذا راحة للبال، وطمأنينة للنفس.
ومن النصوص التي أجد أن هذا ينطبق عليها النص التالي: لما قال الفرزدق بيته: إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول قال بعض الحاضرين: أعز وأطول من ماذا؟ فأخذ الفرزدق يجيل الفكر فيما قيل، فوافق ذلك الوقت رفع المؤذن للأذان، فلما قال المؤذن: «الله أكبر»، رفع الفرزدق رأسه، ونظر إلى المتسائل، وقال له: يا فلان، أكبر من ماذا؟
الفرزدق شاعر مُجيد، مشهود له في زمنه بذلك، وبأنه فطحل من فطاحل الشعراء، ولا تأتي حصيلة جيدة مثل التي رويت عنه إلا من شخص عقليته متميزة، وذكاؤه سابغ، وبديهته قارحة، وهذا يجعل القارئ للقصة لا يستغرب سرعة بديهة الفرزدق عندما سمع الأذان، ووجد أن فيه الجواب الشافي لما سُئل عنه.
وتكرر الأذان خمس مرات باليوم، ومن مؤذنين متعددين يجعل حدوث الفرصة غير مستبعد ولا مستغرب.
ولكن هناك ظل يحول بين هذه الحقيقة وقبولها، فيأتي في الذهن أن القاص أراد أن يزيد في الإثارة، ولم يكفه أن يرد الفرزدق من مخزونه من المعلومات، فيذكر المتسائل بالأذان، وما فيه من «أفعل التفضيل» الذي لم يلحق به ما يفضله، ولكن جعل الملاحظة تُبدى عند رفع الأذان، وفي أول جملة منه، فأصبح الأمر كأنه إنقاذ من الله للفرزدق، وإسعاف له، ورحمة به. وهذا ما أعطى القصة جزءاً من طرافتها، وأوجب تدوينها، وتداولها، ولكنه في الوقت نفسه رمى ظلاً على القصة بكاملها.
وأمثال ذلك كثير في الأدب العربي، يشعر الإنسان أحياناً أن القائل فكر في الأمر، ووصل فيه إلى ما يشبه اللغز، فصاغه في صيغة سؤال، ثم جاء بالجواب؛ وقد يكون الأصل في الفكرة الجواب نفسه، وركب عليه السؤال، وأُلبس لباس اللغز، ليبدو طريفاً، وملفتاً للنظر.
ويكون هذا الأمر أحياناً أُتي به لتقرير حكمة تكونت، أو سبك حجة عرضت، فتلبس ثوب القصة، لتكون مقبولة عند السامع، ولتثبت في أذهان الناس وتنتشر بينهم وتتداول.
يقف الإنسان الموقف نفسه الذي وقفه مع القصة السابقة عندما يقرأ القصة الآتية: «حُكي أن بعضهم دخل على عدوه من النصارى، فقال له: أطال الله بقاءك، وأقرَّ عينك، وجعل يومي قبل يومك. والله إنه ليسرني ما يسرك، فأحسنَ إليه، وأجازه على دعائه، وأمر له بصلة. ولم يعرف لحن كلامه؛ فإنه كان دعاءً عليه، لأن معنى: «أطال الله بقاءك»، لوقوع المنفعة للمسلمين لأداء الجزية، و «أقر عينك» معناه: يسكن له حركتها، فإذا سكنت عن الحركة عميت، و «جعل يومي قبل يومك» أي جعل يومي الذي أدخل فيه الجنة قبل يومك الذي تدخل فيه النار، وأما قوله: «يسرني ما يسرك، فإن العافية تسره كما تسر الكافر»
الافتعال في هذه القطعة ظاهر، والابتسار في التركيب والتعليل يجعلها أقرب إلى السخرية والرفض، وليس فيها من الطرافة إلا النزر القليل؛ ومع هذا فهي تجد قبولاً من كثير من الكتاب الذين يدرجون مثل هذا ضمن ما يدرجون في كتبهم مما يعتبرونه طريفاً. وهذه القصة تذكر بقصة المرأة البرمكية التي دعت للخليفة الرشيد بكلمات مماثلة فيها لحن وتورية، وظاهرها الدعاء له، وباطنها الدعاء عليه، وعرف الخليفة مرمى دعائها، وغاب القصد منه عن جلسائه، حتى نبههم إلى القصد هارون الرشيد.
وقصة أخرى توحي بما قد يرجح الافتعال فيها، وسبكت سبكاً يجعلها طريفة: «حكي أن رجلاً كان شاعراً، وكان له عدو، فبينما هو سائر في بعض الأيام، وإذا بعدوه إلى جانبه، فعلم أن عدوه قاتله لا محالة، فقال: يا هذا، أنا أعلم أن المنية قد حضرت، ولكن سألتك الله إذا أنت قتلتني امض إلى داري، وقف بالباب ونادِ: (ألا أيها البنتان إن أباكما)، وكان للشاعر ابنتان، فلما سمعتا قول الرجل أجابتاه: (قتيل خذا بالثأر ممن أتاكما) (١). وتوصلتا إلى الأخذ بثأر أبيهما منه.
والمداخل على هذه القصة التي تبطلها – رغم طرافتها – واضحة، لا تحتاج إلى إيضاح أو بسط.
المصدر : إطلالة على التراث
الجزء : الثاني | الصفحة : 11- 16