الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخويطر

من تراثنا

صالة التراث وفلسفة العلم قراءة في حكمة الأولين

عندما كنت صغيراً كنت مثل غيري من جيلي نحب أن نجلس في مجالس كبار السن من العائلة وزوارهم، فنسمع أحاديثهم، ونروي عنهم، ونفخر بذلك ولم يكن جلوسنا معهم يزعجهم أو يضيرهم، لأن العفة في كلامهم، وفوائد ما يقولون، لا تجعلهم يتحرجون من وجود الصغار بينهم، بل إنهم يسعون إلى ذلك، ويفضلونه ويحثون عليه، ويطلبون ذلك صراحة، أو بطريقة غير مباشرة، كأن يطلبوا من الصغار القيام ببعض الأعمال التي تجمعهم بهم مثل صب القهوة أو الشاي، أو تقديم الطعام، أو خدمة الضيوف، وهذا يضمن بقاء الصغار معهم، واختلاطهم بهم، وملازمتهم لهم.

وبعض مجالسة الكبار تبقى ذكراها في الأذهان، وتصبغ تفكير الصغار بأفكار ناضجة، وتوجههم إلى ما يتصل بالأغراض النبيلة، والأفكار المفيدة التي يسير عليها مجتمعهم. ولا أنسى ذكرى بقيت لي من أيام الطفولة، ففي عام 1359هـ صيفنا في الطائف، وكنا بعد صلاة المغرب، أنا وأخي، ونحن بين العاشرة والثالثة عشرة من العمر، نجلس على إحدى «الدكتين» اللتين على جانبي بوابة شبرا، وعلى جانبي البوابة والدكتين غرفتان أو ثلاث، وضعت هناك لساكني الجند الذين يحرسون البوابة، عندما كان على مدينة الطائف سور يحيط بها، وبوابات للدخول والخروج، وكان الجند -على ما أذكر- في حدو خمسة أو ستة. وقامت بيننا وبينهم، وآخرين ممن يجلسون مثلنا عندهم، مودة، وكانوا من غامد وزهران وبني مالك، وكنا نجلس هناك معهم حتى أذان العشاء. وكانت جلساتنا تتسم بروح الفكاهة والتسلية من القصص والأحاجي، ولا أزال أذكر بعضها ومنها: «الشثة تنتش التيس، والتيس ينتش الشثة»، ويطلب من أحد الجالسين أن يقولها بسرعة، فإذا فعل فإنه لا بد أن يخطئ لتقارب مخارج الحروف وتماثلها، وتشابه بعضها مع بعض. ولها معنى، ويتبين إذا عرفنا أن الشثة شجيرة يستعمل ورقها لدباغة الجلود، وهي التي تسمى في الحدائق الحديثة «ديدنيا».

أما القصص فما أكثرها، وبعضها حقائق حصلت بقتل ارتكب في الماضي، تلاه أخذ بالثأر، وبعضها عن العشق في البادية والقرى، والقصائد التي تقال في هذا، وبعضها عن الزراعة أو الرعي، وعن قطعان الأغنام والذئب والجعير (الضبع).

ولن أنسى قصيدة ألفية قيلت باللغة العامية بلهجة غامد أو زهران أو بني مالك، وقد بدأ بإنشادها أحد الجند بترجيع وتنغيم، كما هي العادة، وبدأ بذلك بعد صلاة المغرب وأذن المؤذن لصلاة العشاء ولم يتمها، وهي على ما أذكر ملأى بالحكم والمواعظ، ووصف للدنيا وغدرها، والصداقة والعداوة، والنميمة والغيبة، والتواصل والتراحم، والرفق بالصغير، والعطف على اليتيم، وما إلى ذلك من حث على الفضائل، وعلى البعد عن الرذائل. وأتمنى أن المسجلات كانت قد اخترعت حينئذ، ولو كانت كذلك وسجلت تلك القصيدة لأصبح تحت يدي ثروة فكرية لا تقدر بثمن، ولعله لا يزال هناك من بين أهل غامد أو زهران أو بني مالك من يعرف هذه القصيدة، أو أن تكون مكتوبة محفوظة.

ومن بين الأحاديث التي كانت تجري على اللسان في تلك الجلسات والقصص التي تَرْوي أحاديث الجن الذين يسكنون بعض الوديان التي لا يسكنها الناس، وليس هناك طرق سهلة للوصول إلى أسافلها، وكيف أن هذه الأودية إذا نزل فيها الإنسان، ووصل إلى مكان معين، وهو ينحدر فيها، لا بد أن يغمى عليه ويموت بفعل الجن، ولهذا فهم يختبرون هذه الأودية بتدلية حيوان صغير كالعنز أو «الجفرة» فإذا وصلت إلى قاع الوادي، ولم تصب بأذى فالوادي مأمون، وليس مسكوناً بالجن، ويمكن للإنسان أن ينزل إلى قاعه، أما إذا اضطربت العنز أو ماتت تأكدوا من سكنى الجن له، وابتعدوا عنه.

ويقول آخرون، وهم بهذا يقتربون من الحقيقة، إن موت الإنسان أو الحيوان ليس سببه الجن، وإنما «الوخم»، وفساد الهواء، فهما اللذان يحدثان الموت والإغماء، ويعتقدون أن وضع الوادي والنبات الذي فيه، وإحاطة الجبال به، تجعله كأنه مقفل، فلا يدور الهواء فيه يرقد فيفسد مثلما يرقد الماء فيأسن، ولهذا يختنق فيه الحيوان والإنسان إذا نزل أحدهما إلى أسفله.

وتذكرت كل هذا عندما قرأت شيئاً يشبه هذا في كتاب الحيوان للجاحظ، وهذه المعلومات في هذا الكتاب أعادت الذكرى لبعض هذه القصص الممتعة: يقول الجاحظ: «وقد تدخل نار في بعض المطامير (الحفر) والجباب (الآبار) والمغارات والمعادن (المناجم)، فتجدها متى ماتت هناك علمنا أن الإنسان متى صار في ذلك الموضع مات، ولذلك لا يدخلها أحد ما دامت النار إذا صارت فيها ماتت، ولذلك يعمد أصحاب المعادن والحفاير إذا هجموا على فتق في باطن الأرض أو مغارة في أعماقها، أو أضعافها، قدموا شمعة في طرفها أو في رأسها نار، فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب الجواهر من الذهب وغير ذلك، وإلا لم يتعرضوا له، وإنما يكون دخولهم بحياة النار، وامتناعهم بموت النار. وكذلك إذا وقعوا على رأس الجب الذي فيه الطعام، لم يجسروا على النزول فيه حتى يرسلوا في ذلك الجب قنديلاً فيه مصباح، أو شيئاً يقوم مقام القنديل، فإن مات لم يتعرضوا له، وحركوا في جوفه أكسية وغيرها لاجراء الهواء» (1).

هنا تتحدث التجربة بعمرها الطويل، والنظرية بعمرها القصير، الأولى بنتيجتها التي تؤدي إلى المنفعة، والثانية مثلها تنتهي بالمنفعة، ولكن الأولى تبقى في حدودها، أما الثانية فتتعدى حدودها، وتشترك مع غيرها فيما يحكمها من قوانين، فالتجربة ونتائجها لا تعدو أن تكون إدراك الإنسان لضرر، ومتابعة ظاهرته، والتأكد من تكررها، ثم معرفة الطريق إلى تفادي الضرر، وضمان النفع، وقد يأتي تعليل سطحي كما هو في الحالة التي نحن بصددها، فالهواء الفاسد قد يتوصل إلى أنه السبب، وأن تغيره بتحريك قطع من القماش يجدده، وهذا صحيح في نتيجته، ولكن العلم الحديث يتكلم عن الأكسجين وثاني أكسيد الكربون، ويتحدث عن فائدة الأكسجين ودخوله في أمور كثيرة من جوانب حياة الإنسان والحيوان، ويتحدث عن ثاني أكسيد الكربون وضرره على النوعين، والحالات التي يدخل فيها. وهنا يبرز الفرق بين العلم القديم والحديث، فالقديم يقف عند الحدود الضيقة للتجربة، والعلم الحديث يعطي القاعدة، ويجعل الإنسان قادراً على القياس، وتوسعة المحيط، والعلم القديم مثل النجار الذي يُري المريد أو المتعلم كيف يُصنع كرسي، أو كيف تُنجر منضدة، ولكن العلم الحديث يُعلّم كيف يستعمل المنشار خير استعمال وأوسعه، وكيف تستعمل فارة النجار، ويستفاد من كل امكاناتها المفيدة، وكيف تقاس الزوايا والأبعاد، وكيف تكون الصلة، وكيف تهيأ التعاشيق، وغير ذلك مما يخص القواعد، ولهذا بقي العلم القديم عند حدوده، وإذا تطور منه شيء فتطوره محدود، أما العلم الحديث فإنه في تطور مستمر، لأنه يعتمد على القاعدة والتجربة، حتى القاعدة ينظر فيها دائماً، لأجل التطوير والتحسين.

لهذا جاءت نظرة الخليفة هارون الرشيد لهواء الصباح العليل، فلم يتكلم عن صلاح الهواء المشبع بالأكسجين، ولا بفساده بثاني أكسيد الكربون، أو غيره من الأبخرة السامة، وإنما قال ألفاظاً أخرى، تتناسب مع النظرة السائدة حينئذ: «كان الرشيد إذا قرب الصباح قال لمن معه: قم بنا نتنسم هواء الحياة، قبل أن تفتض عذرته، وتكدره أنفاس العامة» (1).

وبعد: لقد استفاد الأولون في حياتهم في حدود مقدرتهم، وفي ضوء إمكاناتهم، وبقدر حاجتهم الملحة، وتفادوا الضرر ما أمكنهم ذلك، وهيئوا لأنفسهم حياة سعدوا فيها في دنياهم، وعلينا نحن أن نبحث عنها ونعرفها، حتى نشرك ماضينا في مفاخرة غيرنا من الأمم التي تهتم بالتنقيب في الماضي، لأنها تعتقد أن هذا يُقوّي بناءها الحاضر، ويبقى لها ظلالا من شخصيتها المتميزة، وهي مصدر تميزها، وإلا ضاعت في خضم التطور السريع الذي أوجدته وسائل الاتصال الحديثة بأنواعها المختلفة، والمخترعات الحديثة، والعادات المتغيرة التي تغزو العالم في ضوء إمكاناته الفائقة.

Exit mobile version